صديقتي، وعندما ادعوها صديقتي انتقص الكثير من حقها
وجودها في حياتي أضفى بعدا آخر، كنت دوما أحب سوريا، بلدي، بشكل مجرد إلى
أن ظهرت صديقتي في حياتي، أصبحت أستطيع أن أجسد محبتي لسوريا عن طريقها .
من وجهة نظري هي تجسد كل جمال
سوريا، عنفوانها، شموخها ، عزتها، كرمها ، طيبتها، رقتها، برائتها، تعاطفها،
حنانها، كل الصفات الايجابية التي أشعرها تجاه حبيبتي سوريا استطعت الشعور به معها
، لم أجد بها الصفات السلبية التي ممكن أن أجدها بشخصيات تقطن سوريا ، لا أستطيع
التحدث عن سوريتي بصفة سلبية وكذلك صديقتي.
صديقتي، ولأنها خالية من العيوب قد غزاها المرض، لا لشيء، لان الكمال
لله وحده ، فكان المرض ضيفها الدائم ، رحلتها مع المرض بدأت مع الثورة، كنت عندما أحدثها
أقول لها: أنه حتى عذاباتك خلال الثورة
تجسد عذابات سوريا .
ابتداءا من الطلقة التي أصابت
فخذها في محاولتها لحماية طفلة في المظاهرات، كان قد استهدف رأس الطفلة لتقوم
بنجدتها وتدخل تلك الطلقة فيها، مرورا بفقدان شقيقها التؤام حتى اللحظة فقد أعتقل
في بداية الثورة، وبتهمة لا لبس فيها جسدت كل تهم الشعب السوري حينها، كان لديه
لابتوب ، وليزيد الطين بلة مسكوه بالجرم المشهود ، لابتوبه كان يحوي تصويرا لأحد
المظاهرا،ت تلك التهمة كانت كفيلة لأن يبقى مفقدودا حتى اللحظة، ولا احد يعرف عنه شيئا،
ولأن علاقة التوائم مختلفة عن علاقة
الاشقاء ولها خصوصية، لكم أن تتخيلوا السكين المغروس فيها طوال الوقت.
صديقتي حملت وجعها وأكملت ،
استقبلت عائلة نازحة من حمص واعتبرتهم عائلتها التي لم تجدها حولها ، فقد تخلى
عنهم معظم أهلهم لموقفهم الواضح مع الثورة، مع الوقت ولأنها لم تتخلف عن مظاهرة، ولأنهم
يستخدمون كل القنابل المحرمة دوليا، تسمم دمها ، تأقلمت مع المرض ولكنها اضطرت
للاختباء عن عيون المخبرين والأمن، الذين
اخذوا أبوها لاحقا، ليعود بعد عام جثة مشوهة من التعذيب في سجون الاحتلال الاسدي ،
وخلال هذا الوقت تحطمها قذيفة سقطت فوق مشفى ميداني كانت تعمل به مع والدتها
ولتفقد والدتها أثرها .
ما كتبته في الفقرة السابقة هو عدة اسطر ولكن ألمه ممعن في قسوته ووجعه،
هو جرح مفتوح على كل المؤثرات التي تزيد من حدّة الألم.
رقيقة ، هشة كنسمة، فقدت من تحبهم على دفعات وليصبح مرضها أكثر خطورة
لاستحالة علاجها ، استمرت في نضالها وفي مواقفها رغم كل انكساراتها ، اعتقلت ومع
اعتقالها وكل المشاعر التي رافقتها من خوف وذل وتعذيب كانت روحها حرة، كانت قوية
وشامخة .
ألمها المستمر لم يخفف من إيمانها وعزيمتها وتفاؤلها وروحها المرحة، إنسان
مر بكل تلك العذابات ممكن أن يكون حطام ،لكنها استمرت بروحها الجميلة مواسية كل من
حولها ، بداية من رفيق دربها إلى أهلها، انتهائا بصديقاتها، كانت تواسيني وتشجعني
في كثير من الأحيان، رغم فارق العمر بيننا كنت أجدها عملاقة، وفي أحيان أخرى طفلة
تحتاج إلى كل حنان الدنيا، صديقتي اضطرت للخروج من معشوقتها سوريا، لأنها أصبحت إرهابية
بكل المقاييس الاسدية، ولولا مرضها وخوفها على من تبقى من عائلتها لبقيت، خرجت رغم
كل ألم الغربة مع قرار مسبق بالعودة في حال تحسنها.
صديقتي، حبيبتي، جميلتي أصبحت حامل، وأصبح مرضها أكثر خطورة.
لا ادري عندما تأكدت من الخبر، هل عليّ أن اشعر بالفرح أم بالحزن،
بالتفاؤل أم بالترقب، ببساطة عندما أفكر بها وكأنني أفكر بسوريتي وبمصيرها، هل
تصدقون أنني اشعر بأن جنينها وكأنه مستقبل سوريا.
احرسه يوميا عن بعد من خلال أمنياتي السرية، وأتمنى أن يرى النور، وان
تخرج صديقتي سالمة، كل انتكاسة اشعر بأنها انتكاسة لتعود أقوى.
ألم أقل لكم أنها سوريا بصورة
أنثى .