ابتعدت عن تدوين اليوميات قصراً، فقد أصيب احد أفراد أسرتي بالمرض مما اثر
على كل أسلوب حياتي، بالإضافة إلى أنني في
حالاتي الطبيعية اشعر بمشقة في البحث عن أحداث وأفكار تعزز يومياتي.
كل الأيام متشابهة، الأحاسيس
متشابهة، الحياة كلها أصبحت بدون نكهة إلا اللهم من أحاسيس سلبية متفرقة خلال
اليوم من مواقف لا تنتهي . كل هذا بعيداً عن الأخبار، فلو قررت تتبع الأخبار لزادت
كمية شعوري بالغثيان من كل التفصيلات،
وتفصيلات النصر قبل الهزيمة، حتى النصر بات يزعجني، لأنه نصر لا ألمسه بشكل حقيقي
. لا ألمس إلا الأشياء المحيطة بي والتي تنم عن سيطرة النظام للآن حتى على الهواء الذي
نتنفسه، يوماً ما يقررون أن يكون ملوثاً لأنهم يكدسوننا أرتالاً على الحواجز فقط مزاجية
منهم، وأحياناً لأننا نمر بسرعة يكون الهواء أنقى قليلاً، أي أن كلمة هواء نقي بإمرتهم ليس من ضروب
خيالاتي أو التي ربما تقولون أنها تسعى للمبالغة .
أحياناً لا أحاول التفكير بنفسي لأنني أنا أيضا مثال غير جيد مقارنة
بغيري ممن وقفوا مع الثورة، كنت أنتظر لحظة لأستطيع أن أساعد أكثر في بناء سوريا،
شللي مدة أربع سنوات لا يعتبر ثباتاً كما كنت أتوهم، أنا أدجن بطريقة أخرى، أصبحت أشفق على من أدمنت مشاهدتهم يومياً على
الحواجز مدة أربع سنوات وكنت أكن لهم كل المشاعر السلبية. الطائفية التي أتمتع
بها وهي كرهي لكل علوي باتت مزعجة لأنني بت أكره حتى الأطفال، وهذا بحد ذاته تشوه
داخلي أصابني، ومدروس من قبلهم لأنهم يسربون فيديوهات لأزيد من كراهيتي يقومون بممارسات
مدروسة على الحواجز ضد السنة بشكل سافر، أو حتى خلال مروري في الأماكن العامة حيث أصوات
الموسيقى المسموعة إما جبلية لعلي الديك و مثيله أو لطميات شيعية لتزيد كمية الكره المتبادل، مشاهد الدمار اليومية التي كنت أحاول جاهدة الحفاظ
على مشاعر تأثر يومي، الآن انعدم إحساسي، بت كمن يمر أمامه شريط سينمائي لمشهد
دمار في فيلم ما لا أكثر، حتى مرض توأم روحي "صديقتي" أصبح مألوفاً، سابقاً كنت أتألم معها، أما حالياً بت أستمع لألمها لا أكثر. و أحسدها لأن مشاعر كثيرة
لا زالت تحتفظ بها مع مرورها بكثير من المآسي بالمقارنة معي، أنا مع خلو حياتي
تقريباً من موت حقيقي مس أحد أفراد عائلتي الصغيرة أو نزوح واعتقال لأحدهم، أنا من
عايشت الثورة بالاستشعار عن بعد من مات
جزء كبير مني مع استمرار النظام للآن .
لا أريد أن أتفاءل ولا أن أدعو للتشاؤم . أنا إنسان على قيد الحياة مجازاً، فقد مت منذ زمن –موتاً سريرياً-، ولا أستطيع تحديد ساعة وفاتي بدقة، مت على محطات ابتداءً من أول شهيد سقط في عام 2011، مروراً بصراخ المعتقلين، ومن ثم رؤيتي لجثثهم المعذبة، ولاحقاً مع كل مجزرة جماعية أخذت الأطفال قبل الكبار، منهم من مات خوفاً قبل أن يذبح، وصولاً لويلات الحصار والموت جوعاً، ومن ثم آلام اللجوء والموت برداً أو غرقاً، حتى بات عداد الموت في سوريا رقماً يمر، على مدى أربع سنوات يموت في سوريا وسطياً كل يوم 200 إنسان، ناس من لحم ودم، لهم مشاعر وأهل، جيران وأصدقاء . مت عندما شاهدت ملثماً يقف على حواجز النظام ليلتقط المعارضين، مت عندما وجدت
معارضة تطعن بظهر إخوتها، تعذبهم أو تبتزهم أو تقتلهم أو تخذلهم، مت عندما رأيت
سوريين ينضمون لداعش صنيعة النظام وعندما وجدت فتاة سورية محجبة ترافق علوياً شبيحا
ً أو تعمل مخبرة لديه، مت عندما رأيت من كان معارضاً في السابق بات يرينا مآثر النظام
الآن وايجابياته وسلبيات من يحملون لواء الثورة .