الأحد، 28 سبتمبر 2014

هل سنقول : كان يا ما كان سوريا ؟


الحديث عن ضربات التحالف التي تشن على سوريا صعب جدا، كنت ممن يشجع الضربة الأميركية قبل عام، أما الآن وبعد حدوثها، وبهذا الشكل، والطابع الذي اتخذته، والمواقع التي تضربها ، لم استطع أن أميز مشاعري، ولكنها بالتأكيد لم تكن مشاعر ايجابية كما كنت أتوقعها ، مزيج من مرارة وقرف وحزن ، إحساس بشع لم أدرك كل تفاصيله للآن مع كل موقع يقصف في سوريا .

اشعر وبان سوريا مستباحة لمن هب ودب، وأهداف الضربات أبعد ما تكون عن طموح أو أمل أي سوري مهما كان انتماؤه ، مع أن الكثير من المؤيدين المطبلين والمزمرين للممانعة لم يعترضوا أو يعبروا عن استيائهم، بل تبنوا رأي النظام المؤيد مرغما للضربات إن كانت ستقضي على الإرهاب . ولكن الكل ضمنيا مستاء أو على الأقل هو ما لمسته للآن.

بات الكل يفكر في الخروج من سوريا وأقصى طموحه أن يصل للضفة المقابلة لأي دولة أوروبية مع احتمال أن يدفع روحه ثمن لتلك المغامرة . وكأن كل سوريا مركب ويغرق، والكل يفكر في الخروج منه قبل غرقه بالكامل ، اشعر وبأني الوحيدة للآن من لم يخطر بباله هذا الأمر وهذا الشعور تحديدا بات يزعجني ، إن كان الجميع يفكر في السفر ، لمن سنترك سوريا ؟ للأجانب ليدافعوا عن أحلامنا !

لا أريد أن احمل السوري ما لا طاقه له به، ولكن حتى الحلم حلمي الخاص بدولة مدنية مستقلة بات مستحيلا مع ما يحدث على أرض الواقع .

سوريا أصبحت فارغة ومن بقي لا يريد أن يتدخل بأي أمر حتى لا يطاله نار جهنم النظام أو المعارضة المتطرفة . الكل لديه في جعبته كل المفردات الملائمة حسب الشخص المقابل يستخدمها ليتلون حسب المحيط ، خوفا من الآخر وانتماؤه .

الكل اجتمع على مفردة "الله يفرج" والكل تعب حتى من المناقشة ، والمستقبل في أحسن حالاته أسود حسب المعطيات الحالية .

كنت سابقا من خلال تفكيري ارسم مستقبل إن لم يكن وردي على المدى القريب ولكن على الأقل سيكون ورديا للأجيال القادمة، ولكن مع كل القوى التي تتصارع على الارض حاليا بت اشك بهذا المستقبل وليس لدي إلا الأسود لألون المشهد .

كم أتمنى وجود احدهم ممسكا بيدي ويدلني على باب لا استطع رؤيته ليقول لي: هل ترين ، هنا المخرج ، من هنا سترى سوريا النور .

حتى فتافيت السعادة التي كنت التقطها من خلال السخرية على مؤيدين النظام ومفرداتهم العجيبة وانتصاراتهم الدونكشوتيه لم تعد تضحكني، وقد سمعت اليوم تعليقا لم افهمه إلا بعد الشرح " الدخانية عيونا خضرا" أُعيد الوصف اكثر من مرة وانا واضح على شكلي ملامح الاستغراب ، لأفهم انهم يقصدون القول ان منطقة الدخانية قد سيطر عليها النظام، والعيون الخضراء رمزا للنجمتين الخضراوتين الموجودتين بالعلم الخاص بالنظام، وطبعا الخبر عار للآن عن الصحة لان الاشتباكات مستمرة .

المشهد في مخيلتي الآن سواد كامل في أفضل حالاته ، لان الصورة لو تلونت ستتلون بالدم ومناظر الدمار والخوف والجوع والذل ، أصبح لون الموت المتمثل بالنسبة لي بالسواد أجمل لون مقارنة ببقية المشهد .

                                وهل سنقول للأجيال القادمة : كان يا ماكان #سوريا

 

 

 

انا اليوم


حالة اشمئزاز من الواقع

في محاولة للبحث عن ضوء في آخر النفق ، ولكن عبث دوما كل الاحتمالات المتوقعة لا تناسب حجم التضحيات التي قدمت في #سوريا .

            و  حزينة

الخميس، 25 سبتمبر 2014

رسائل سارا 7 & 8


 

الرسالة السابعة

 

لم أكمل الخاطرة، ومصابة بحزن وإحباط، مر على وجودي عشرة أيام ولم أتلقى منك أي رد، حمى الكتابة فارقتني وبدأت روتينا جديدا يغلفه الملل .

شعرت وكأنني كنت على متن غيمة وبدأت تدرجيا الهبوط على أرض الواقع، هكذا الأحلام عندما تولد، تخلف شرارة وطاقة غريبتين، ومع الوقت عندما لا نجد أي حدث يغذيها تبدأ بالانطفاء. أحيانا أفكر أن لغز الحياة يكمن في إبقائنا على تلك الشرارة مشتعلة بكل الوسائل، ألا نفقد الأمل والحلم معا، أن نبقى رغم كل الخيبات التي تصادفنا مشحونين بالايجابية .

تفاؤلي موجود مع حزن وإحباط، لا تسألني كيف استطعت التوليف بينهم، ولكنها تحصل في معملي الداخلي، مشاعرنا، حواسنا وعقلنا يخلق غرائب، حاليا أنا إحداها .

هل هو التفكير العملي الذي اعتدت ممارسته، محاولة أن أقصي أي فكرة غير مجدية لأستطيع المتابعة!

ممكن أن اسمع أصواتا في الخارج تشبه زلزالا ولكن استمر في تركيزي بما أقوم به، مع الممارسة على التركيز على أمر ما، يصبح التركيز أمرا روتينيا وتستطيع التأمل وسط الزلزال، حاليا زلزالي، ورشة قررت تجهيز المنزل المقابل لشقتي ولك أن تتخيل الخلفية لكلماتي .

استغرب الناس المفرطة في عاطفيتها، تستطيع التأثر بأي كلمة أو مشهد أو حادث، اشعر بكثير من الأحيان بان أحاسيسي قد وضعت في ثلاجة، ولا أفكر أبدا بان أخرجها حتى أمارس كل تلك الطقوس، البكاء على مشهد مؤثر في فيلم سخيف أو حتى لو حصد اوسكارا يبقى سخيف من وجهة نظري، أحيانا انظر إلى الفنون وكأنها بزنس ، أستطيع تمييز الجمال ولكن لا أستطيع أن أرى مجموعة فنانين يقومون بعرض جمالهم في معرض، اشعر بالفكرة سوقية جدا، أجمل اللوحات موجودة في الطبيعة ولا تحتاج معرضا لنراها ، بالعكس عندما تجدها محاطة بسور تفقد أجمل صفة بها وهي العفوية ، وكذلك لا أتخيل نفسي ابكي على احدهم، عندما اضطر لحضور عزاء احد الأقرباء اشعر بقلق كبير خوفا من أن يتهمني احدهم بأن بيني وبين الميت عداوة . ولكن اشعر بأن مشاعري أمر خاص جدا ليس على الجميع الإطلاع عليها، وعلى كثرة تحفظي بدأت انسي تلك المشاعر، حتى أتيت وفجرتها دفعة واحدة.

أحيانا اكره ضعفي أمامك، ولكني في كثير من الأحيان سعيدة، فقد شعرت من جديد أنني إنسانة من لحم ودم، وما كانت تنعتني به منى ليس صحيحا، كانت تقول أنني روبوت أصلح للعمل فقط، وقد تم برمجتي لأكون في الوقت المحدد ولأقوم بمهامي على أكمل وجه ولأملئ كل الخانات الفارغة لدى أهلي وأصدقائي وحتى لدى الجيران . أما حياتي الخاصة ليست موجودة ضمن برنامج هذا الروبوت، عندما قررت السفر فجرت كل خططي ومشاريعي، يوم شبهتني منى هذا التشبيه ضحكت حتى آلمني وجهي، وأنا أتخيل منظر الروبوت وقد ألبسته ووضعته به لمساتي الخاصة، اعتقدتْ منى أنها تستفزني، ولكنني استمتعت جدا بكلامها، وشعرته صحيح مئة في المئة، وأحببته، الصفات الحقيقية مهما بلغت قسوتها أحبها . ويومها منى كانت فنانة في تشبيهها وقد أصابت الهدف تماما لذا أحببت ما قالته .

مشتعلة بحبك مهما أصبت بحزن وإحباط من الوقت والمسافات التي تفرقنا، تبقى ذكراك تشعلني من الداخل وأحن إلى كل لسمة وأترقب قدومك، لم أتخيل ولا للحظة انك تستطيع الاستمتاع بكل تفاصيل الحياة بعيدا عني، وأتوقعك منتظرا قدومي ، تعجبني ثقتك العالية بنفسك، هل تذكر عندما أخبرتني بأنني سأذوب بين يديك مستقبلا ، وها أنا الآن سيل مترقبة قدومك .

هي عدة اشهر بعيدا عن كل تفاصيلك ما أعادني إليك، وبقوة .

خف الضجيج وبقي صوت أغنية طالما رددناها سويا هو البارز ، وكنت اضحك عندما تقول: الله الله يا ست، أغنية أمل حياتي: "وأنت معايا يصعب عليا رمشة عيني ولا حتى ثانية ، يصعب عليّ ليغيب جمالك ليغيب جمالك ويغيب دلالك دلالك ولو شوية "

 

و انتظرك

~ سارا التي تملأ وقتها بأي شيء وعندما تفقد السيطرة تبحث عنك بالكتابة إليك

 

***


الرسالة الثامنة

عندما أفكر بك اعتقد في كثير من الأوقات أنني في حلم ، حتى شكلك المميز والجميل لم يكن من ضمن مخططات شكل من أحب، لم اعتقد يوما أن الرجل يحتاج إلى وجه وتفاصيل جميلة، عندما كنت أتخيل حبيبي المستقبلي، كنت أتخيله مائلا للقبح، على الأقل في الوجه، عله المثل الرائج في أميركا اللاتينية el hombre como el oso, cuando más feo, más hermoso

هل تريد الترجمة؟

أم تتركني أتلذذ في إبراز ضعفك للغة الاسبانية ، كنت دوما عندما أدندن أغنية ما، تحاول جاهدا معرفة الكلمات وأتفنن بالبحث عن مفردات صعبة ، ولكن ثقافتك تغلبني، اختار جملا صعبة ومع انك لا تتقن الاسبانية تستطيع أن تفهم علي، وتربح في كل مرة .

اشتقت إلى كل ذلك الجمال الذي يجمعنا، إلى ضحكتك البريئة جدا والغبية في أوقات كثيرة ، أحيانا الابتسام من القلب بشكل مستمر نوع من الغباء . مثله كمثل التكشير بكل جدية .

أخيرا اعترف بحبي لك على الورق واعترف انه رغم جمالك مقتنعة بك، الجمال في حالتي كان عيبا ومع ذلك راضية به ، لا اعتقد أن جمالك يجعلك ناقص الاكتمال نفسيا أو روحيا ، أو حتى لو كنت ناقصا كحالتي، اشعر بأننا مستقبلا سنكمل مشوار الحياة الصعب سويا ، الآن اعلم لم يقولون أن الزواج نصف الدين ، طبعا ليس الزيجات التي صادفتها ولا تقرب أو تشبه واحدة ولو شبها ، ولكن كفكرة فلسفية ، الزواج يشعرك بضعفك في مواجهة الناس في الخارج وحيدا، تحتاج إلى سند تقص عليه قصصك تخبره تفاصيلك ، يعزز ثقتك بنفسك مع أنها موجودة، ولكننا نحتاج إلى ذلك الذي ليقول لنا: أنت أجمل، أنت أذكى ، أنت من احتاج .

هي كلمات متداولة ، مطروقة ، ولكننا نحتاج إليها كحاجتنا إلى الاحتواء الجسدي والفكري، هل فكرنا يوما ما أننا نحتاج إلى الماء أو الخبز لنكمل حياتنا، لا اعتقد أننا وصلنا إلى هذا العوز، نعتبره تحصيل حاصل كتدفق الدم في عروقنا ، وهي كذلك تلك التفاصيل التي ستجمعنا مستقبلا ، هي تحصيل حاصل لأستطيع إكمال نموي الآخر، نموي الروحي، عندما املأ عقلي وجسدي بك، سأتوجه للأشياء الأخرى الضرورية في الحياة ، ستعود تلك النظرة التي ضيعتها منذ زمن، نظرة من يحبث عن شيء ما ، هي الحقيقة، والتي لن نجدها خالصة ولكننا نستمتع عندما نركب جزء من البزل، اللوحة لن تكتمل في هذه الحياة ومحال أن تكتمل، هي الحياة ، ولكن مهارتنا تكمن أن نجمع اكبر عدد من القطع لنرى المشهد بشكل أوضح ، لا احد يملك المشهد كاملا وان ادعى عكس ذلك.

آه منك عدت للفلسفة التي تحبها أنت، بل وتعشقها ، دوما عندما تجدني صامتة تقول لي : أين موجة الراديو، أين اختفى البث، اشتقت له ، هي حالات تصيبني، ثرثرة ثرثرة، أو صمت مطبق . وأنت تضيع كما دوما بينهما .

يا ربي منك لم تجعلني اكلم نفسي ولا ترد عليّ ولو بحرف، الآن لا أريد اتصالا ولا رسالة، أصبحت أرى ضحكة الحارس الخفية وأنا افتح صندوق البريد في اليوم مئة مرة ، أريد أن تخبر القمر انك بخير وهو سيخبرني بدوره.

~ سارا التي تحبك يا معتوه

 

رسائل سارا 5 & 6


 

الرسالة الخامسة

اذكر ذلك اليوم عندما أخبرتني أن أجهز نفسي للعشاء، وأنك ستأخذني إلى مكان سأحبه بالتأكيد، أردتَ يوماً مميزاً لنا، ولمَّ يمض زمن على تعارفنا.

يومها عدتُ من عملي وأنا أطير من الفرح وأفكر ما عليّ ارتداؤه، واخترت ثوبي الأسود الذي استخدمه كلما أردت أن أكون مميزة، جميلة وأنيقة، صففت شعري ووضعت ماكياج خفيف وأعجبت بمظهري النهائي، واخترت عطري المفضل الذي أوفره للمناسبات الخاصة .

تماما على الموعد لا دقيقة قبل ولا بعد رن هاتفي لتخبرني أنك في أسفل البناء، عندما رأيتك وجدت ابتسامة عريضة بانتظاري، مظهري كنت متأكدة من جماله ولكن لم افهم الضحكة تلك!!

مع انك يومها سحرتني بها، دوما عندما أشاهد ابتسامتك لا أستطيع مقاومة أي فعل من طرفك، أخبرتك لو تذكر ما سبب الضحكة تلك؟ مظهري لا يحتاج إلى ضحك، وبتكشيرة مفتعلة مني، ودهشة من ثيابك المفرطة في البساطة، جينز وتيشرت بسيط، هناك تفاوت كبير بين مظهري ومظهرك .

قلت لي، إما أن أغير ملابسي أو نغير المطعم، لم أفهم، أعدت الطلب، حددي، أخبرتك، خلاص، سأغير ملابسي، صعدت ممتلئة خيبة.

كنت أغير ملابسي وكلي غضب على سوء الفهم الحاصل كعادتنا، لم أتخيل رجل في بداية تعرفه إليّ، وأراد أن يعزمني على العشاء، لم أتخيل إلا مطعم راق وشموع وأمسية هادئة، الذنب ليس ذنبي، وأفكر بحسرة على الوقت الذي أضعته في تجهيز نفسي.

لم أتأخر أكثر من عشرة دقائق وانطلقنا بعدها، أخذتني يومها إلى مطعم شعبي بسيط تملكه سيدة قبرصية "ماريّا" ، كان عبارة عن خمس طاولات وماريّا، هذا المطعم الذي تحبه واعتدت الذهاب إليه ، يومها كنت اكتشف جانباً جديدا من شخصيتك ، اخترنا طعام يصلح لعائلة كاملة كنتَ تريد أن تجعلني أتذوق كل الأطباق المميزة ولم أقل لك لا، أحب أيضا التلذذ بالطعام لو كنت بصحبة أحد .

أذكر تفاصيل هذا اليوم الذي حاولت أن احفره بعقلي حتى لا أنساه، تحدثنا وراقبنا كل من يأتي ويخرج ونحن مستمرين في الجلوس كما لو كنا في منزلنا الخاص، أسرفنا في الضحك وأصواتنا لم نبخل بها لتعم كل المطعم، واذكر ماريّا وهي تراقبنا، وعند مجرد التفاتتك إليها أجدها مزروعة بقربنا، شعرت بنظراتها المحبّة إليك وكأنك أبنها، حتى أنني لاحظت نصف نظرة موجهة إليّ في بداية جلوسي ووجدت النظرة ونصف قبل مغادرتنا، كانت تريد احتوائي بتلك النظرة وبابتسامتها، وكأنني نلت الرضى من حماتي، يومها ضحكت مطولا من استنتاجاتي تلك ولكن أتذكر أني كنت على حق .

من كثرة ما تناولنا من أطعمة وحلويات ومن كثرة ما شربنا رجوتك أن نعود مشيا على الأقدام إلى منزلي وكان، كانت أمسية من أجمل ما يكون، وكأن القدر يكافئني على كل نيّاتي مجتمعة وأهداني أمسية خياليّة، لم أتوقع انك استطعت اكتشاف ما أحبه من عدة لقاءات عابرة بيننا .

أتخيل لو أنني ذهبت إلى المطعم الذي توقعته، على ضوء الشموع وعينات من الطعام وفاتورة كبيرة وهدوء، مطعم ماريّا كان أجمل بكثير، كان كمن يتذوق الحياة لا كمن يشاهدها تمر أمامه .

تذكرت قصة عن حكيم كان قد زاره تلامذته في آخر جلسة لهم معه، يومها احضر لهم إبريقا من القهوة وصينية مليئة بالكؤوس، منها الكريستالي ومنها الزجاجي والبلاستيكي والورقي .

سارعوا بالتسلسل لانتقاء الكريستالي ومن ثم الزجاجي وهكذا حتى بقي الورقي لآخر واحد منهم، ضحك الحكيم يومها وقال أن الحياة هي تلك القهوة الموجودة في الإبريق اما الكؤوس هي ليست إلا المظاهر الفارغة التي نسعى إليها في كثير من أوقات حياتنا، ننشغل بتلك المظاهر متناسين الاستمتاع بمذاق القهوة الساخنة .

فعلا تلك الأمسية كانت على مذاق القهوة التي أحب، استمتعت بها حتى آخر شفة .

شكرا انك أهديتني يومها حلما وتحقق .

~سارا في محاولة لتوثيق أجمل لحظاتنا.

***

الرسالة السادسة

في شقتي التي أردتها أن تشبهني، بسيطة، مرتبة، نظيفة وأهم ما يميزها أني أحاول ترتيبها من أية كركوبة لست بحاجة إليها، تماما كما أفعل بعقلي عندما أحاول كل فترة أن أنظفه من أفكار بالية تكون علقت ببالي وأبني عليها قصصا وقصص .

تلك الكركوبة التي ارتبط بها عاطفيا لسبب للآن صدقا أجهله، لا أجد سوى أنها تكاثرت وتكاثرت، أي رف أضع عليه شيئا ما "بدون طعمة" أجد أنه مع الوقت تكاثر وأصبح له عائلة وأصدقاء .

حياتنا مليئة بأشياء لا معنى لها، أو ليس لها أية قيمة، ولكن نتفنن بإلصاق ذكريات معنوية حتى نحلل وجودها بيننا، اعتدنا الاحتفاظ بأشياء تمضي حياتنا ولا نستخدمها، ننقلها من مكان لآخر وقت التنظيف، ونستمر بالاحتفاظ بها، هذه العادة أخذتها من أمي ولكن بعد فترة قررت في شقتي أنني سأحارب تلك الظاهرة أو العادة السيئة، أنجح في كثير من الأحيان وأفشل في أخرى .

كنت أحارب منفضة قد أنجبت زرا ودبوس وقطعة حديد صغيرة، لا ادري اعتقد وقتها أنها لغرض ما، وخرزة سقطت من قلادتي ، عندما قررت الكتابة إليك، مرة أخرى أتخيل ضحكتك وأنت تقرأ كلماتي ، مجددا عندما ابدأ بالثرثرة يصبح من المستحيل إسكاتي ، كنت أتمنى أن تزور شقتي لأرى رأيك بها، كنت اعتبرها تحمل جزأ كبيرا من شخصيتي .

بدأت أخاف تأخرك بالرد ولا أحاول التفكير بالأسباب ، لا أحب توقع الأسوأ لأنني اعتبر أن أسرع خبر يصلك هو الأكثر سوءا، ليس من طبعي القلق ، دوما أتوقع الأفضل ومع كل نظرتي الايجابية كنت اهرب من التفكير في تأخرك في الرد ، لأول مرة لا اختلق أعذارا وأعذار فقط الهي نفسي بأي شي وكل شي أهم شيء ألا أفكر .

للآن مختبئة في شقتي من كل الناس، أهلي وعملي، كلهم يعتقدون أني للآن في الخارج، وحتى الجيران، اخرج وأعود إلى شقتي كلصة عندما احتاج اي شيئ من خارج شقتي، وحدها جارتنا أم حسن والحارس اكتشفوا أنني موجودة ، ورجوتهم إبقاء الأمر سرا بيننا، مع أن علاقتي بالجميع سطحية، أنا علاقتي سطحية بهم على عكسهم فقد فتح كل منهم قلبه لي، لذا لا أريد رؤية احد منهم وسماع همومهم . وحتى أهلي لو أن هنالك طارئ ما، لبعثوا لي برسالة إلى عنواني ، وقد أخبرتهم في مكان إقامتي خارجاً، أن يحولوا فورا أي رسالة طارئة تصلني، لذا لا زلت أحافظ على تلك العزلة والتي بها قليل من الإثارة على فكرة ، أعيش كلصة مختبئة من جريمة ما . هي حالتي عندما ارغب بتذوق سيجارة لاكتشف فيما بعد أن نصف اللذة في تلك الحيل لإخفاء الرائحة.

دوما الأمور المخفية بها نوع من الجمال للان لم استطع اكتشافه، حتى العلاقات السريّة بين العشاق كذلك، فقد اكتشفت أن نصف سيدات البناء الذي اقطنه عندما يشكين مشاكلهن، معظمها تكون أن لأزواجهن حياة أخرى، هنا الزوجات يبثثن معاناتهن لي، وفي عملي العشيقات لديهن أيضا معاناتهن الخاصة ، مضحكة الحياة أوليسه؟

وجدت أن الرجل يجد متعة بتلك الحياة السريّة وعند ظهورها للعلن تفقد الكثير من بريقها، وهو ما حصل مع عشيقتين تحولن لزوجات، توقعت أن تستمر حياتهم المليئة بالمشاعر لتتحول إلى حياة بليدة أخرى .

يا ترى عندما تعتاد عليّ هل سيصبح حالنا كحالهم!

دوما اهرب من الزواج لأنني لم أجد علاقة زوجية أغرتني، و أحاول عدم التفكير بهذا الأمر سأتركه للزمن ، عندما نفكر بكثير من الأمور نسيء للأمر نفسه، يفقد عفويته وجماله، سأبقي على علاقتنا وكأنها صندوق مفاجآت واترك للقدر مهمته بأن يخبرني ما الذي يحويه . وأتمنى دوما أن يكون الأفضل ، ببساطة لأنني استحقه .

على فكرة كل إنسان يعتقد نفسه الأفضل، ولكني على ثقة أن لا احد منهم مثلي، مغرورة، دوما تصفني بتلك الصفة ولكنه حقيقة شعور يتملكني من الداخل وأحاول دوما السيطرة عليه ، غرور داخلي، أتدري ما الذي اعنيه؟ أنني مميزة بنظر من خلقني وأنني تحفة وجوهرة كما يخبرني إخوتي وإنني أميرة كما تخبرني أمي ، أما في الخارج اعلم ومتأكدة أن الغرور مظهر يفرّغ أي إنسان من جماله، ولكن صدقني على عدد القصص التي املك، أصبحت على يقين أن من لا يقيم اعتبارا لنفسه ويقدّرها، لن يجد في الحياة من يقدّره، وهذا هو الغرور الداخلي "الإيجابي " الذي أحدثك عنه، دوما أحاول أن أوجد المعادلة بالنسب الصحيحة بالنسبة لغروري .

سأحاول إكمال خاطرة بدأتها البارحة ، تتحدث عن الشوق وكم يخلف غيابك في جسدي ومشاعري من فراغ .

~ سارة السعيدة بغيابك هذه المرة لأنني أنجز خاطرة جميلة وتحتاج معاناة حتى تظهر أجمل وأجمل

 

***

رسائل سارا 3 & 4


الرسالة الثالثة

كالممسوسات، لا أستطيع الابتعاد عن القلم ولدي الكثير لأقوم به ، الحقائب على حالها، الغبار مكوّم وأنا، أنام، آكل واكتب.

نمت 24 ساعة، واستيقظت على وجع رأس فظيع، أفكر بك وقد تفقدت صندوق البريد، وواثقة أنه لن يصلني خلال يوم واحد رسالة وأنت بهذا البعد، ولكنها عادة، عندما انتظر أي شيء.

بالمناسبة لم اخترت هذا المكان البعيد لتستقر فيه؟

لا أحب الريف أو البحر لاستقر بهم، المدينة كما تعلم هي حياتي، ونبضها نبضي، صحيح أنني استمتع بالهدوء في إجازاتي، ولكن أن أعيش بعيدة مقصية بعيدا عن العاصمة وزحمتها، من المستحيلات.

هل تذكر مرة عندما أخبرتك أنني أخاف الابتعاد عن العاصمة، يومها أنت استغربت من الفكرة، لم أكن أجرؤ على الخوض في التفاصيل، كنت أتخيل نفسي، أني إذا ابتعدت عن الزحمة والعمل، كطفل في بداية تعلمه المشي، سيقع إن ابتعد عن كل تلك الضوضاء .. الاستيقاظ الباكر، والعمل، وكل شي يمر سريعا، لينتهي اليوم وأنا منهكة، هكذا اشعر بأنني تمام، وأني أقف على ارض صلبة.

في إجازتي، وجدت أن الحياة بعيدا عن العاصمة ممكن أن تستمر، كنت أريد الابتعاد عن الروتين وعن الملل والخوف الذي بدأ يغلف حياتي، سعدت أول أسبوع بل وثاني أسبوع، في البداية اخترت شقة قريبة من البحر، واشترطت أن لا يكون بها أي نوع من أنواع الاتصالات الحضارية، لا أريد نت أو تلفون أو حتى تلفاز، لا أريد سماع الأخبار، و أشارك الموتى نهاري ، والمنكوبين وجبات غذائي.. رائحة المعاناة تفوح منهم ومعاناتي تكفيني وتزيد .

كنت سعيدة، وأطير فرحا، اخرج صباحا دون أن انظر إلى ساعتي، و أجد الشمس بانتظاري، والبحر يناديني، اقضي يومي على هذا المنوال، وأكون قد جهزت سندويشات، ومياه باردة لترافقني كل اليوم، أسبوع أو أكثر على هذا المنوال، اخرج صباحا وأعود بعد الغروب، استحم، وأعود مجدداً إلى الشاطئ بملابس أكثر دفئاً.

لم أكن أفكر بشيء، كنت أكوّن صداقات مع الحشرات في الطريق، مع السرطانات ، يظهرون فجأة، ويختفون فجأة، مخلفين ثقب في الرمال، أحاول تخيل حياتهم تحت الرمال وافشل، فقط أنا وهم، مياه البحر، الحصى، والرياح.

بعد عشرة أيام تقريبا، قررت التعرف على البلدة ، لم يأخذ مني المشوار أكثر من نصف نهار مشيا على الأقدام، شخصيات جميلة لتكون غلاف في مجلة، الحارس في المجمع الذي كنت اقطنه، الموظفات اللاتي انتشرن، ليكون المكان نظيف وكأنه قطعة من الجنة، كلهم لديهم ابتسامة بدون حياة، وكأنهم روبوت، وحتى عندما خرجت، وجدت الناس في الشارع تبتسم، ليقولوا لي مجتمعين: أهلا وسهلا أنت في بلدة سياحية مئة في المئة .

ولكن لا يدركون أنني كنت انفر من ابتسامتهم، وددت لو احد ما يشعر بانزعاج من الحرارة، من العمل، من أي شيء، اشتقت للشجارات في المدينة على زحمة السير، حتى الشتائم اشتقت لها، هنا كل شيء مرسوم رسما حتى محلات البقالة، حتى الخضار، تخيل خضار وكأنها أتت من كاتالوج، اشتقت للبطاطا المملوئة بالتراب، والتي كنت اشتم عندما اضطر إلى تنظيفها –الاشتياق جاء متأخرا جداً، عندما بدأ الروتين يغلف حياتي، فحتى الحياة بلا وقت جميلة ، وعدم الروتين جميل، وهو بحد ذاته يصبح روتينا مع الوقت-

هناك كل شيء جميل أكثر من اللازم، لم أكن أريد فلسفة الأمور يومها، يومها أحببتهم بصراحة، كنت أريد أن أحب عالمي الجديد، جولة بسيطة عرفتي على عالم جميل مزيّف، وعدت، كنت لا أريد أكثر من هذا، كنت أريد أن اهرب، وهربت، ونجحت في اختيار المكان.

كنت سعيدة أنني تركتك على حب، نعم، لم نتشاجر أو نختلف على شيء، كنت متعبة وابتعدت، هل تصدق لو أنني ابتعدت وأنت تشعر بضيق مني لم أكن لاستطيع الشعور بذلك الآمان .

الآن بدأت اشعر بوخزات في معدتي بسيطة ولكنها تشبه تلك التي تأتيني عندما نتشاجر ولكنها بشكل مبسط ، في شجاراتنا القديمة كنت اشعر أني انسان يمشي وقد ثقبت معدته وكأن تيارا من الهواء يخترقني، حتى أن جسدي يفرز مرارا في فمي .

ارجوا أن لا يتأخر ردك، أصبحت انتظر اتصالا عندما تصلك رسالتي أكثر من انتظاري رسالة .

~سارا التي تستعد للعمل في شقة مهجورة وفوضى عارمة وتشتاق إليك .

****

الرسالة الرابعة

انتهى اليوم مع صداع لم يفارقني، وعمل متواصل لتنظيف الأرضيات والحمامات والمطبخ و حتى الأثاث يحتاج للتلميع، وكأني هاجرت بدل الأشهر سنوات، صعدت مدة ربع ساعة لرؤية جارتنا أم حسن، أرادت أن أبقى لديها لوقت أطول، ولكني لم استطع أكثر من ربع ساعة، ليس لدي لا الوقت ولا القدرة على الأخذ والرد لولا نباتاتي الثلاث، كنت قد تركتهم عندها وتركت مفتاح الشقة، أخبرتها أن تتصرف في الأثاث وترسل قيمته لامي في حال عدم عودتي بعد عام، ورجوتها أن تعتني بنباتاتي، أحب أن أجهز نفسي وحياتي لكل الاحتمالات، ووضعت احتمالا أن أموت بعيدة .

كنت قد دفعت آجار الشقة مدة عام كامل إلى الأمام وتركتها، حتى لا افقدها، فهي بثمن بسيط وبمنطقة حيوية، وأخبرتها اليوم أن هديتها في الحفظ والصون، لكني لم افتح حقائبي، وكنت كاذبة، فلم يتسنى لي الوقت لشراء اية هدايا، وقد فكرت بإحضار شي ما من السوق لدينا، دوما كنت انصح صديقتي للتسوق من اسواقنا المحلية لاحضار هدايا السفر قبل سفرها، وكنا نوفر كثيرا من عملنا هذا، ولم يكتشف أحدا خدعتنا، والجميع كان يثني على بضاعة صنع الخارج، وكلها من صنع أسواقنا المحلية، الناس بسيطة وتنطلي عليها خدع كهذه .

عند ذهابي، اعتبرني الجميع ابنة أهلي المدللة فقيمة ما دفعته ثمنا لأجرة تلك الشقة الصغيرة في تلك المنطقة السياحية، عالي جدا، لم يعرفوا أنني قد دفعت فيها مدخراتي في عشر سنوات من العمل، تركتهم يفكرون أني كذلك، واستمتع بكوني فتاة مدللة، كنت أريد دلالا، وأريد أن ابتعد عنهم على عكس عادتي، لا أريد أن ادخل بتفاصيل حياة الخادمة واكتشف معاناتها، كلٌ منا لديه معاناته وأنا بطبعي حشرية أريد أن اعرف تفاصيل من حولي، ودوما اتعب من معاناتهم ، لذا تركت حاجزا بيني وبين كل من حولي، حارس المجمع، الخادمة، الفتيات اللاتي ينتشرن ويسلمن عليّ كل صباح، بائع البقالية، كنت أرى الحزن في عيونهم وأقاوم رغبتي بسؤالهم، اعتمد على الابتسامة الزائفة، وأبادلهم بابتسامة مشابهة، وكأنها معاهدة، أن يبقى كل منا عند حده فأنا تعبت من المعاناة، لم يدركوا أني من أعيل عائلتي بعد وفاة والدي، بعد كل ما أصابه من خسارات، كان قد خسر في البورصة كل أمواله، حتى أننا اضطررنا لبيع بيتا الذي خلقت به، أمي تعتمد بالإضافة إلى راتبه التقاعدي، تعتمد على ما أرسله كل شهر، أخي اصبح مقعداً بعد أن هجرته حبيبته، كنت أود كثيرا الصراخ به ليكون رجلا وقويا لأحتمي به ، واجده جنبي عندما انهار، أردت أن أقول له كل ما يدور في بالي، ولكن عندما انظر إلى نظرته اليائسة وإلى معاناته ، اصمت واحضنه وأبكي، أختي التي فرحت في زفافها كما لم افرح قط، يكفيها همها وما عانته بذاك الزوج المجرم بنظري، كانت تكذب علينا أنها سعيدة، وهي تعتاد زيارتنا كل نهاية أسبوع، وهناك أوقات تعتذر عن المجيء لان لديها نزهات كان قد وعدها زوجها بها، ونفرح بسرنا على سعادتها، إلى أن جاء اليوم الذي اكتشفنا فيه أن اليوم الذي تعتذر به ، يومها تريد الاختباء حتى لا نرى آثار الكدمات التي خلفتها ضربات زوجها لها، أختي الصغرى، آخر العنقود أريد أن يكون لها مستقبل واعد، وأحاول أن أبعدها عن المعاناة لتكمل دراستها ولتخرج بأقل الخسائر، كل ذلك فوق رأسي، وأنا الفتاة المدللة، لم ارغب يوما أن أخبرك بما احمله من مسؤوليات، تصرّ أن تعرف تفاصيل حياتي ودوما أغيّر الحديث، تحاول أن تروضني ولكني كفرس برّي أرفض ذلك ولكنك لم تملّ مني.

يا ترى هل تحبني إلى ذلك الحد ؟!

بعدما اكتشفت فجأة انك كل شيء بحياتي، قلت في سري أنني لن اكذب عليك، وسأخبرك معاناتي وأني اكره التداول بالأسهم واعتبرها كمعاقرة الخمر لأنها تسببت بخراب عائلتي، أريد أن ارمي همومي عليك وارتاح، أريدك أن تشاركني بكائي قبل فرحي .

حتى حارس البناء الذي يكرهني فقط لأنني فتاة واقطن شقتي وحيدة مع انه يعرف أن لا أحد يزورني، ولكن عقله الشرقي لا يستطيع أن يتحمل فكرة فتاة تعيش في العاصمة ووحيدة، نحن مجتمع صعب جدا، وحاولت أن احفر بيدي طريقا اعتقدته سهلا ولكنه كلفني من أعصابي الكثير، منى صديقتي الوحيدة ، أكيد تذكرها! اعتبرتني مجنونة عندما أخبرتها عن نيتي في السفر ولم احدد زمنا للعودة وقد أخذت إجازة سنة كاملة، لقد أخبرتها بالثروة الصغيرة التي كلفتني ثمنا لتلك الرحلة وأنها كل ما املك، قالت لي: هل جننت؟

قلت لها: سأضمن لك جنوني إن لم أذهب، أنا ذاهبة لأحمي نفسي من الجنون ومن الانهيار، لدي حبيب يعتقدني غريبة الأطوار، يحبني ولكني لا أستطيع ان أبادله تلك المحبة على نفس القدر، لدي عائلة لا أستطيع زيارتها أو أن اجعلها قريبة مني لكثرة انشغالي حتى نستطيع الاستمرار، لم أكن آخذ يوم عطلة واحد مدة عشر سنوات، إلى أن دخلت عند مديري أخبره بحاجتي إجازة مدة عام كامل، لو كانت موظفة غيري لرفضوا طلبها بدون تفكير، ولكنه نظر إلي مطولا وقال : موافق، وأكمل تحتاجين تلك الإجازة، ذهلت، كنت أتوقع ساعة من المناقشة على أقل تقدير، ولكنه لم يقل هذا، شعرت بحاجتي إلى البكاء، لشعوري بالامتنان إليه، لأنه لم يضطرني أن أتكلم ولا كلمة، أحببته، وأنا كنت اعتقده متسلط وأناني وغير مهتم بشؤون موظفيه، أحببته جدا ورغبت بتقبيله والصراخ فرحا لأن إجازتي أصبحت حقيقة .

فجأة شعرت أني أريد أن أخبرك كل تفاصيل حياتي ولتحل اللعنة على كبريائي .

~سارا التي تخاف مواجهة الناس في الخارج بدونك

***

رسائل سارا 1&2


مجموعة رسائل بدأت بكتابتها صيف 2011 ، وارغب مشاركتها معكم مع أنها بعيدة عن السياسة، هي بشكل أو بآخر جزء مني، للآن كتبت ثمانية رسائل بفترات متباعدة وممكن أن أكملهم لاحقا .

 

الرسالة الأولى

عدت من رحلتي الطويلة التي كنت اشعر أني بحاجة إليها، بعد كل الحوادث التي مرت بحياتي ..

كنت كمن يحتاج هواء ليتنفس احتجت إجازتي التي أردتها طويلة ومفتوحة، أردت أن ابتعد، أن اركض لمكان لا اضطر فيه إلى النظر إلى الساعة ، موعد الاستيقاظ، موعد العمل، موعد العودة وتجهيز الطعام حتى موعد القهوة في مكتبي البسيط الذي أحبه، اكتشفت أن حياتي كلها مواعيد موعد للقيلولة موعد للقاءاتنا التي لا تنتهي موعد لأخبار أدمنت سماعها وأخيرا قبل النوم موعد مع الهاتف لينتهي يومي على صوتك وان تتحدث وتتحدث، هل تعلم أنني كنت أنام كثيرا على صوتك واستيقظ أيضا وأنت مستمر بالكلام !

دوامة يومي الطويل كانت مرهقة ومع ذلك كنت احتاج إلى صوتك قبل النوم كحاجتي للطعام بل ممكن أن أصوم عنه ولكن أن لا اسمع صوتك هو قمة القسوة .. احتجت تلك الإجازة رغم قسوتها احتجت أن ابتعد بعد كل معاناتنا كل قسوتك المبالغ فيها وكلماتك التي كانت تحاول إيقاظي مما أنا به .. هربت مني أكثر من هروبي منك .

كانت رحلة إلى الجنة ولكن بلا روح، لم أتخيل أن تكون الجنة بلا ألوان ، اكتشفت أن اي شي بدونك لا طعم له ، الشمس التي اعشقها التي تحرقني وقد عدت بلون برونزي مغر كانت جميلة ولكن قوتها على جسدي لم تؤثر مقارنة لما كانت تفعل نظراتك بي .. البحر الذي امتد على طول نظري، الرمال التي اعشق اللعب بها كالاطفال لعبت ولعبت ولعبت وكأنني أحارب أحداً بعبثي مع الرمال ومع المياه ، أفرغت كثيرا من جنوني بها بعيدا عنك ولكني افتقدتك .

لم أكن أجرؤ أن أقول لك كم أني احبك .

علمتني إجازتي انك أجمل ما يكون في حياتي ..

لدي الكثير لأقصه عليك وكنت أسابق نفسي عندما قررت فجأة صباحا عندما استيقظت وكان أحدا يناديني أني أريد العودة إليك لم احتمل موعد الطائرة وصعوبة الحصول على حجوزات في تلك الفترة من السنة على تلك الجنة الصغيرة التي قررت أن استقر بها حتى اعرف وأقرر ما أريد، شعرت أني أريدك بجانبي أن لدي الكثير لأقصه عليك وان الدنيا تحاربني فقط لأنني لم أجد طائرة بالموعد الذي أريده وجدت أن اليومين الذين انتظرتهم لأستطيع الحصول على حجز هم أطول يومين يمران علي.. استغربت جنوني وكأن أحدا ورائي وكأني باليومين قد ضيعت عمرا وتخيل ما الذي افتقدته أيضا!! هل تصدق أنني بحثت طويلا لأجد ورقة وقلما اسطر فيها كلمات وكلمات كانت تضج في رأسي فقط أريد أن أحدثك بها .

احتجت ورقة وقلما وكأنها حبة بانادول لتزيل جنون الكلمات في رأسي بحثت وأيضا تعذبت حتى استطعت الوصول إلى المكتبة الوحيدة في البلدة تخيل بلدة ليس فيها إلا مكتبة واحدة وكأنها أيضا تآمرت مع موظف الحجوزات في شركة الطيران شعرت أن الناس كلهم ضدي لأنني لا أجد ما أريده فورا وكأن الدقيقة لها ثمن وان آخر اليوم هو موعد القيامة .. شعرت برعب أن أموت قبل أن أخبرك كم أحببتك وأحبك .

افتح باب شقتي ولن تتخيل فرحتي وخوفي وقد كتبت يومين في انتظارك مشروع رواية او قصائد تنفع في كتاب كامل، فقط في يومين سطرت كلمات عن الحب، افكر ضاحكة لو أني لم أجد تلك المكتبة البسيطة لكانت طارت كلمات الحب .. هل تدرك أن أجمل كلام في الحب لم يدوّن ، خطرت ببالي هذا الخاطر وأنا ابحث عن قلم وورقة تخيل! عندما حصلت عليهم شعرت أن نصف ما أريد قوله تبخر، لو يخترعون آلة تكبسها وأنت نصف نائم عندما تدفق كل حكم الحياة إلى رأسك لو أن أحدا يستطيع أن يدون كل ما تقوله في عقلك لكنا أبدعنا، زر عندما يزورنا الوحي نكبسه ونسجل، أجمل ما يقال وأكثره عمقا هو ما لم يدوّن، هذه احد اكتشافاتي البسيطة أيضا.

عندما دخلت البناء الذي كنت لا أحبه أو اكرهه ، كنت مشتاقة إليه، تخيلني مشتاقة إلى بهو البناء الذي اسكنه إلى الحارس الذي يشاكسني واكرهه، ووجدت أن صندوق البريد متخم برسائل منك أخذتها مسرعة ولم انظر صحيح أنني اشتقت للحارس ولكن ليس لتلك الدرجة لأبحث عنه واسلم عليه .. فرحت ولكن كنت متشوقة أن اكتب لك أنني هنا قبل أن أفتحهم .. حتى في هذا أنانية .. أنا أنانية جدا وأنت صادق جدا والآن أفهمك جدا .

                                                     ~حبيبتك سارا التي عادت وتبحث عن عنوانك الجديد

سأرسل هذه الرسالة على العنوان المدوّن على رسائلك وأنا لا ادري أين أنت ، كنت أريد أن أفاجئك شخصي، لم أكن أريد اتصالا هاتفيا أو ورقة وقلم ولكني استغربت انك غيرت مكان عملك تخيلني عدت مع حقائبي إلى مكان عملك القديم ولم أجدك ولم أجد أحدا يدلني إليك .

 

****

الرسالة الثانية

لم استطع أن افرغ حقائبي الكثيرة، اكتشفت أنني سافرت مع شقتي في حقائب، ساعدتني الخادمة هناك ، لم أكن املك الوقت عندما قررت العودة في اليومين الذين قضيتهم بالانتظار، كنت قد قضيتهم بلا نوم فقط اكتب لك عن لا شيء وكل شيء، عندما عدت ووجدت نفسي مع ثلاثة حقائب بالإضافة إلى حقيبة يدي وحدها قد ملأت الطاولة !

تركت كل شيء على حاله، أخذت دوش وعدت لأقرأ رسائلك، قرأت على عجل رسالة انك تركت عملك الذي تكره، اطمأننت عليك منها وقمت بتحضير سندويشة عالسريع وجلست لأقرأ البقية ، لا ادري من أين وجدتُ تلك الثقة! انك تقف بانتظاري.

مع أن ما حدث لنا مشروع فراق على اقل تقدير، كنت أتوقع رسائل منك وفعلا كان.

لست أنانية فقط أنا مغرورة أيضا، وأنت صحيح قاسي القلب ولكني أحبك، أحب قسوتك وطيبتك سوياً، هل من الممكن أن يكون الإنسان قمة في الطيبة والقسوة معا!

ممكن، فهذا أنت .

كثيرة هي أخبارك وقد تنقلت من مكان إلى آخر، ما لفت نظري أننا نحب الوحدة ولدينا نفس الذوق في الناس.

هل أحدثك عن غيابك وما خلفه ؟ هل انقل بعضا مما كتبته في اليومين الذين يستحقان دخول غينيس للأرقام القياسية لسرعة وكمية ما دونته .. سيأتي يوم ونكون سويا وسنضحك كثيرا على غبائنا .

اعذرني نحن أغبياء، نفلسف أشياء لا تحتاج إلى فلسفة، ونبتعد عندما يجب أن نكون قريبين .. أحب أن أخبرك أنني خسرت بضعة كيلوغرامات من وزني ،لا أدري إن كان سيعجبك الأمر، أو كعادتك لا تحب أن اخسر من وزني وتحبه كما هو، ونحن النساء نتفنن في إرضاء لمن نحب، لنكتشف أننا لا ندري من نرضي!

اسمع صوتك يقول كنتِ جميلة أكثر، لا أريد هذا النقاش السخيف، تماما كما يحصل معنا كل مرة أكون متفننة في وضع المكياج، لتنظر لي نصف نظرة، اجل نصف نظرة، هناك نظرة ونصف، وهناك نظرة، وهناك نصف نظرة، هكذا قررت أن اسمي النظرة التي تكون نصفها إعجاب ونصفها سخرية.

امقت سخريتك ونقدك وأنت تضحك على مظهري وكأني مهرج، فقط لاني وضعت بعضا من الماكياج الزائد على وجهي، وأنت تقول لي أنتِ جميلة بدون أي شيء، لمَ تشوهي جمالك بهذا الماكياج، هو خلق للأكبر منك عمرا ولمن تحتاجه، وأنا استمر بوضعه، أحيانا فقط لأثبت لنفسي أني على حق، أريد إرضاءك بمظهري ويصبح هدفي استفزازك .. آه كم اشتاق تلك النقاشات السخيفة .. اكتشفت أيضا أنني أتجمل لا ادري لمن، أإرضاءا للناس ؟ ممكن، ولكن ليس إرضاءا لك، أنتَ ثقبت أذني بحديثك عن جمالي الطبيعي البسيط، هل تدرك أنني أتجمل في كثير من الأحيان لأرضي أنوثتي وغيرتي من الجنس اللطيف، نحن النساء سخيفات، اعذرني، أجل سخيفات، لا ندري ما نريد .. وقلتها أنت قبل هذا، أتذكر؟ وقتها حاربتك.

ولكن أستطيع الاعتراف على الورق انك كنت على حق، عندما كنت جالسة لآخذ حمام شمس في سجني القسري أحببت أن اسميه كذلك عندما أحسست بحاجتي إليك في اليومين ونصف إلى اللحظة ولم أجدك .. كنت أفكر وأنا انظر برضا إلى شكلي النهائي، هل سيعجبك أم ستضحك وتعاتبني ، تذكرت السكرتيرة الجديدة التي جاءت في آخر شهرين إلى عملي، أحب الملابس العملية ولكن عندما كنتُ اذهب إلى عملي واجدها ببساطة قد تفننت بأناقتها وأظهرت أنوثتها بشكل جميل، اشعر بأنه علي أن أكون أجمل، وفعلا في اليوم الثاني أكون قد قضيت الليل أفكر ما عليّ ارتداؤه، وأنام براحة عندما اختار ثوبا جميل انتقيته، واقضي معظم صباح اليوم الذي يليه أمام المرآة فقط لأكون مميزة وفقط لأنني وجدت السكرتيرة مميزة .. وهكذا أكون جهزت نفسي بشكل مضاعف أكثر بكثير عندما كنتُ أفكر انه عليّ رؤيتك، فشكلي يعجبك كيفما كان وكلما ازدتُ بدائية ازدتَ محبة لي! واعتبرته حينها جنونا منك، وضحكت عندما تذكرت تلك التفاصيل.

فعلا نحن النساء نرتدي أجمل ما لدينا أمام النساء، ونجمّل أنفسنا لأجلهن، ونحن ندعي أننا نقوم بذلك إما إرضاءا لذاتنا أو للرجل في حياتنا . هذا من اكتشافاتي التي رغبت أن أخبرك بها مضحكة أليس كذلك؟

وحديثي كعادته وكأنني احتاج أن اعبر كل تلك المسافة وآخذ كل ذلك الوقت لأخبرك أننا نغار من بعضنا نحن معشر النساء!!

أقول لك أيضا أرجوك لا تعطيني محاضرة عن مضار الشمس عندما تشاهدني .. احتاج احتوائك أكثر من حاجتي إلى سماع تعليق سلبي منك وان كان بهدف نبيل وهو خوفك على صحتي .

هل تعلم وأنا اكتب رسالتي هذه بت أخاف رؤيتك وأتمنى أن تضل رسالتي الماضية طريقها. تخيلت نقاشاتنا واتهاماتنا المتبادلة التي تزعجني، يا ترى أنا تغيرت أم لا زلتُ على حالي؟

وأنت ما الذي حل بك بعد تركك عملين ومع هذا المساعد الغبي؟

مشروع شقتك الجديدة هل زادتك سوءا أم ماذا ؟

لم أخبرك أيضا أنني قد نزلت فورا بعد أن كتبت أول رسالة إلى الحي لأضع الطوابع وأرسلها، لم أكن أتحمل وجودي مع الرسالة دون إرسال في الشقة، وعرجت على البقالية أحضرت أشياء ضرورية، فشقتني ينقصها كل شي، والحارس اختفى، لم أجده عند نزولي ولا عند عودتي، هل من المعقول أن تكون دعواتي باختفائه قد استجابت، كنت أحدثك لو تذكر عن دعائي وبأنه مستجاب، ولكن لا اعتقد انه بقوة أن يخفي حارس طويل عريض عن الوجود . لا تضحك أشاهد ضحكتك وأنت تقرأ كلامي .

وجدت أنني أتحدث كثيرا وكأنني أريد أن انهي ما بعقلي .. لقد تغيرت كثيرا فالحزن الذي برسائلك كبير، هل كان غيابي السبب أو انك مللت الحياة كما كنت تقول ويحزنني !!

اشتقت إليك ولكني بحاجة إلى النوم لن أرسل هذه الرسالة كالمجانين قبل أن ألقى ردا منك .

                                                  ~سارا التي اكتشفت فجأة انك الهواء الذي تتنفسه

***