الخميس، 25 سبتمبر 2014

رسائل سارا 3 & 4


الرسالة الثالثة

كالممسوسات، لا أستطيع الابتعاد عن القلم ولدي الكثير لأقوم به ، الحقائب على حالها، الغبار مكوّم وأنا، أنام، آكل واكتب.

نمت 24 ساعة، واستيقظت على وجع رأس فظيع، أفكر بك وقد تفقدت صندوق البريد، وواثقة أنه لن يصلني خلال يوم واحد رسالة وأنت بهذا البعد، ولكنها عادة، عندما انتظر أي شيء.

بالمناسبة لم اخترت هذا المكان البعيد لتستقر فيه؟

لا أحب الريف أو البحر لاستقر بهم، المدينة كما تعلم هي حياتي، ونبضها نبضي، صحيح أنني استمتع بالهدوء في إجازاتي، ولكن أن أعيش بعيدة مقصية بعيدا عن العاصمة وزحمتها، من المستحيلات.

هل تذكر مرة عندما أخبرتك أنني أخاف الابتعاد عن العاصمة، يومها أنت استغربت من الفكرة، لم أكن أجرؤ على الخوض في التفاصيل، كنت أتخيل نفسي، أني إذا ابتعدت عن الزحمة والعمل، كطفل في بداية تعلمه المشي، سيقع إن ابتعد عن كل تلك الضوضاء .. الاستيقاظ الباكر، والعمل، وكل شي يمر سريعا، لينتهي اليوم وأنا منهكة، هكذا اشعر بأنني تمام، وأني أقف على ارض صلبة.

في إجازتي، وجدت أن الحياة بعيدا عن العاصمة ممكن أن تستمر، كنت أريد الابتعاد عن الروتين وعن الملل والخوف الذي بدأ يغلف حياتي، سعدت أول أسبوع بل وثاني أسبوع، في البداية اخترت شقة قريبة من البحر، واشترطت أن لا يكون بها أي نوع من أنواع الاتصالات الحضارية، لا أريد نت أو تلفون أو حتى تلفاز، لا أريد سماع الأخبار، و أشارك الموتى نهاري ، والمنكوبين وجبات غذائي.. رائحة المعاناة تفوح منهم ومعاناتي تكفيني وتزيد .

كنت سعيدة، وأطير فرحا، اخرج صباحا دون أن انظر إلى ساعتي، و أجد الشمس بانتظاري، والبحر يناديني، اقضي يومي على هذا المنوال، وأكون قد جهزت سندويشات، ومياه باردة لترافقني كل اليوم، أسبوع أو أكثر على هذا المنوال، اخرج صباحا وأعود بعد الغروب، استحم، وأعود مجدداً إلى الشاطئ بملابس أكثر دفئاً.

لم أكن أفكر بشيء، كنت أكوّن صداقات مع الحشرات في الطريق، مع السرطانات ، يظهرون فجأة، ويختفون فجأة، مخلفين ثقب في الرمال، أحاول تخيل حياتهم تحت الرمال وافشل، فقط أنا وهم، مياه البحر، الحصى، والرياح.

بعد عشرة أيام تقريبا، قررت التعرف على البلدة ، لم يأخذ مني المشوار أكثر من نصف نهار مشيا على الأقدام، شخصيات جميلة لتكون غلاف في مجلة، الحارس في المجمع الذي كنت اقطنه، الموظفات اللاتي انتشرن، ليكون المكان نظيف وكأنه قطعة من الجنة، كلهم لديهم ابتسامة بدون حياة، وكأنهم روبوت، وحتى عندما خرجت، وجدت الناس في الشارع تبتسم، ليقولوا لي مجتمعين: أهلا وسهلا أنت في بلدة سياحية مئة في المئة .

ولكن لا يدركون أنني كنت انفر من ابتسامتهم، وددت لو احد ما يشعر بانزعاج من الحرارة، من العمل، من أي شيء، اشتقت للشجارات في المدينة على زحمة السير، حتى الشتائم اشتقت لها، هنا كل شيء مرسوم رسما حتى محلات البقالة، حتى الخضار، تخيل خضار وكأنها أتت من كاتالوج، اشتقت للبطاطا المملوئة بالتراب، والتي كنت اشتم عندما اضطر إلى تنظيفها –الاشتياق جاء متأخرا جداً، عندما بدأ الروتين يغلف حياتي، فحتى الحياة بلا وقت جميلة ، وعدم الروتين جميل، وهو بحد ذاته يصبح روتينا مع الوقت-

هناك كل شيء جميل أكثر من اللازم، لم أكن أريد فلسفة الأمور يومها، يومها أحببتهم بصراحة، كنت أريد أن أحب عالمي الجديد، جولة بسيطة عرفتي على عالم جميل مزيّف، وعدت، كنت لا أريد أكثر من هذا، كنت أريد أن اهرب، وهربت، ونجحت في اختيار المكان.

كنت سعيدة أنني تركتك على حب، نعم، لم نتشاجر أو نختلف على شيء، كنت متعبة وابتعدت، هل تصدق لو أنني ابتعدت وأنت تشعر بضيق مني لم أكن لاستطيع الشعور بذلك الآمان .

الآن بدأت اشعر بوخزات في معدتي بسيطة ولكنها تشبه تلك التي تأتيني عندما نتشاجر ولكنها بشكل مبسط ، في شجاراتنا القديمة كنت اشعر أني انسان يمشي وقد ثقبت معدته وكأن تيارا من الهواء يخترقني، حتى أن جسدي يفرز مرارا في فمي .

ارجوا أن لا يتأخر ردك، أصبحت انتظر اتصالا عندما تصلك رسالتي أكثر من انتظاري رسالة .

~سارا التي تستعد للعمل في شقة مهجورة وفوضى عارمة وتشتاق إليك .

****

الرسالة الرابعة

انتهى اليوم مع صداع لم يفارقني، وعمل متواصل لتنظيف الأرضيات والحمامات والمطبخ و حتى الأثاث يحتاج للتلميع، وكأني هاجرت بدل الأشهر سنوات، صعدت مدة ربع ساعة لرؤية جارتنا أم حسن، أرادت أن أبقى لديها لوقت أطول، ولكني لم استطع أكثر من ربع ساعة، ليس لدي لا الوقت ولا القدرة على الأخذ والرد لولا نباتاتي الثلاث، كنت قد تركتهم عندها وتركت مفتاح الشقة، أخبرتها أن تتصرف في الأثاث وترسل قيمته لامي في حال عدم عودتي بعد عام، ورجوتها أن تعتني بنباتاتي، أحب أن أجهز نفسي وحياتي لكل الاحتمالات، ووضعت احتمالا أن أموت بعيدة .

كنت قد دفعت آجار الشقة مدة عام كامل إلى الأمام وتركتها، حتى لا افقدها، فهي بثمن بسيط وبمنطقة حيوية، وأخبرتها اليوم أن هديتها في الحفظ والصون، لكني لم افتح حقائبي، وكنت كاذبة، فلم يتسنى لي الوقت لشراء اية هدايا، وقد فكرت بإحضار شي ما من السوق لدينا، دوما كنت انصح صديقتي للتسوق من اسواقنا المحلية لاحضار هدايا السفر قبل سفرها، وكنا نوفر كثيرا من عملنا هذا، ولم يكتشف أحدا خدعتنا، والجميع كان يثني على بضاعة صنع الخارج، وكلها من صنع أسواقنا المحلية، الناس بسيطة وتنطلي عليها خدع كهذه .

عند ذهابي، اعتبرني الجميع ابنة أهلي المدللة فقيمة ما دفعته ثمنا لأجرة تلك الشقة الصغيرة في تلك المنطقة السياحية، عالي جدا، لم يعرفوا أنني قد دفعت فيها مدخراتي في عشر سنوات من العمل، تركتهم يفكرون أني كذلك، واستمتع بكوني فتاة مدللة، كنت أريد دلالا، وأريد أن ابتعد عنهم على عكس عادتي، لا أريد أن ادخل بتفاصيل حياة الخادمة واكتشف معاناتها، كلٌ منا لديه معاناته وأنا بطبعي حشرية أريد أن اعرف تفاصيل من حولي، ودوما اتعب من معاناتهم ، لذا تركت حاجزا بيني وبين كل من حولي، حارس المجمع، الخادمة، الفتيات اللاتي ينتشرن ويسلمن عليّ كل صباح، بائع البقالية، كنت أرى الحزن في عيونهم وأقاوم رغبتي بسؤالهم، اعتمد على الابتسامة الزائفة، وأبادلهم بابتسامة مشابهة، وكأنها معاهدة، أن يبقى كل منا عند حده فأنا تعبت من المعاناة، لم يدركوا أني من أعيل عائلتي بعد وفاة والدي، بعد كل ما أصابه من خسارات، كان قد خسر في البورصة كل أمواله، حتى أننا اضطررنا لبيع بيتا الذي خلقت به، أمي تعتمد بالإضافة إلى راتبه التقاعدي، تعتمد على ما أرسله كل شهر، أخي اصبح مقعداً بعد أن هجرته حبيبته، كنت أود كثيرا الصراخ به ليكون رجلا وقويا لأحتمي به ، واجده جنبي عندما انهار، أردت أن أقول له كل ما يدور في بالي، ولكن عندما انظر إلى نظرته اليائسة وإلى معاناته ، اصمت واحضنه وأبكي، أختي التي فرحت في زفافها كما لم افرح قط، يكفيها همها وما عانته بذاك الزوج المجرم بنظري، كانت تكذب علينا أنها سعيدة، وهي تعتاد زيارتنا كل نهاية أسبوع، وهناك أوقات تعتذر عن المجيء لان لديها نزهات كان قد وعدها زوجها بها، ونفرح بسرنا على سعادتها، إلى أن جاء اليوم الذي اكتشفنا فيه أن اليوم الذي تعتذر به ، يومها تريد الاختباء حتى لا نرى آثار الكدمات التي خلفتها ضربات زوجها لها، أختي الصغرى، آخر العنقود أريد أن يكون لها مستقبل واعد، وأحاول أن أبعدها عن المعاناة لتكمل دراستها ولتخرج بأقل الخسائر، كل ذلك فوق رأسي، وأنا الفتاة المدللة، لم ارغب يوما أن أخبرك بما احمله من مسؤوليات، تصرّ أن تعرف تفاصيل حياتي ودوما أغيّر الحديث، تحاول أن تروضني ولكني كفرس برّي أرفض ذلك ولكنك لم تملّ مني.

يا ترى هل تحبني إلى ذلك الحد ؟!

بعدما اكتشفت فجأة انك كل شيء بحياتي، قلت في سري أنني لن اكذب عليك، وسأخبرك معاناتي وأني اكره التداول بالأسهم واعتبرها كمعاقرة الخمر لأنها تسببت بخراب عائلتي، أريد أن ارمي همومي عليك وارتاح، أريدك أن تشاركني بكائي قبل فرحي .

حتى حارس البناء الذي يكرهني فقط لأنني فتاة واقطن شقتي وحيدة مع انه يعرف أن لا أحد يزورني، ولكن عقله الشرقي لا يستطيع أن يتحمل فكرة فتاة تعيش في العاصمة ووحيدة، نحن مجتمع صعب جدا، وحاولت أن احفر بيدي طريقا اعتقدته سهلا ولكنه كلفني من أعصابي الكثير، منى صديقتي الوحيدة ، أكيد تذكرها! اعتبرتني مجنونة عندما أخبرتها عن نيتي في السفر ولم احدد زمنا للعودة وقد أخذت إجازة سنة كاملة، لقد أخبرتها بالثروة الصغيرة التي كلفتني ثمنا لتلك الرحلة وأنها كل ما املك، قالت لي: هل جننت؟

قلت لها: سأضمن لك جنوني إن لم أذهب، أنا ذاهبة لأحمي نفسي من الجنون ومن الانهيار، لدي حبيب يعتقدني غريبة الأطوار، يحبني ولكني لا أستطيع ان أبادله تلك المحبة على نفس القدر، لدي عائلة لا أستطيع زيارتها أو أن اجعلها قريبة مني لكثرة انشغالي حتى نستطيع الاستمرار، لم أكن آخذ يوم عطلة واحد مدة عشر سنوات، إلى أن دخلت عند مديري أخبره بحاجتي إجازة مدة عام كامل، لو كانت موظفة غيري لرفضوا طلبها بدون تفكير، ولكنه نظر إلي مطولا وقال : موافق، وأكمل تحتاجين تلك الإجازة، ذهلت، كنت أتوقع ساعة من المناقشة على أقل تقدير، ولكنه لم يقل هذا، شعرت بحاجتي إلى البكاء، لشعوري بالامتنان إليه، لأنه لم يضطرني أن أتكلم ولا كلمة، أحببته، وأنا كنت اعتقده متسلط وأناني وغير مهتم بشؤون موظفيه، أحببته جدا ورغبت بتقبيله والصراخ فرحا لأن إجازتي أصبحت حقيقة .

فجأة شعرت أني أريد أن أخبرك كل تفاصيل حياتي ولتحل اللعنة على كبريائي .

~سارا التي تخاف مواجهة الناس في الخارج بدونك

***

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق