أنا وطائفتي
مذ فتحت عيني على الوجود وأنا أعيش في سعادة نسبية، ويبدو
أن شكلي كان مساعدا في إظهار بشاشة الناس وحفاوتهم بي ، فأنا كأنثى في مجتمع يدللها
ويعتبرها ضلعا قاصرا بحاجة للتفضيل يدعمني مسحة جمال مع شيء من بساطة القرويات، وقد
ورثت كل هذا عن والدتي فلا يشعر من يحتفي بي بالغضاضة ولا يبذل كبير عناء في محبتي
. لم يميزني في المدرسة أحد وكنت في خليط من طوائف ولم يفكر احد بهويتي الطائفية إلا
اللهم بنات طائفتي.
ما خطر ببالي يوما أنني أتمتع بما لا يتمتع به غيري ! لم
أفكر يوما بأن استبدل كلمة أو عبارة سواء في حديث مباشر أو على الهاتف، كانت حريتي
مطلقة وكانت أموري دائما ميسرة وخصوصا فيما يختص بالدوائر الحكومية والموافقات الأمنية
التي كنت أظن الكل تابع لها كأسنان المشط .
عندما بدأت الثورة، لم أفهم أولا ! ثم بدأت أفهم عندما قررت
الوقوف إلى جانب من رأيتهم على حق، حينها تعمق فهمي وبدأت أشعر بعمق أكبر لمعنى الحرية
والقمع ! انتقدت فتم تنبيهي، تكلمت بالهاتف وتلقيت الملامة، بدأت أفهم ما يعاني منه
غيري من أبناء وطني عاشوا معي وجاملوا وتقبلوا على مضض، كل ذلك كان يمر من أمامي ولا
أشعر به، ربما كنت محظوظة ولم يحقد علي أو يكرهني أحد ، كنت دائما ضيفة خفيفة الظل
على الجميع لأني كنت أحب الجميع بعمق وصدق .
كم فاجأتني الثورة بما حملت من أسباب لم تخطر ببالي يوما،
كم رأيت بالمقابل من بنات طائفتي أو ابناءها من لم يخطر ببالي يوما أن بشرا من لحم
ودم يمكن أن يفعلوا أو يتمنوا أو يقولوا ما يقولوه !
تحدثت بإسهاب عني لأنني كنت شخصية
واثقة من نفسها واعشق أهلي وناسي وأصولي لم أكن أرى إلا ما اعتقدته الجانب المضيء
فيهم، كنت كما ذكرت أخالط أبناء المدينة ويعتبروني فردا منهم وبالمقابل عندما ازور
قريتي البسيطة والفقيرة جدا والتي تعرفت حديثا إلى الكهرباء والهاتف والماء، أما الصرف الصحي فغير
موجود للآن، لا يوجد فيها حتى طرقات بين المنازل الا فيما ندر، عندما أزورهم ممكن
ان اجلس القرفصاء وأساعدهم في جلي الأواني بعد نقل الماء من النبع، وضعهم وفقرهم
لا يشعرني بأي خجل بل كنت افخر بانتمائي.
كنت اعتقد أن الاختلاف لا يفسد للود قضية، وكنت لا أتعصب لرأي أو لأي نقد
اللهم إلا ما يطال طائفتي دوما كنت اعتبرها المغلوب على أمرها، زرعوا فينا أنها
مضطهدة، أن الجميع يحاربها، أنها منبوذة، أن الجميع يتمنى الأذى لنا، كنت بالمقابل
أواجه الجميع المختلفين بانتمائهم الطائفي او " الغريب" كما يحلو لهم أن
يطلقوا على أي شخص غير علوي وكنت لا أرى ذلك الكره أو ذلك التمني بالأذى الذي يتحدثون
عنه، ولكن كأي ساذجة تصدق أن قومها لا ينطقون إلا الحقيقة، أخذت كلامهم وكأنه
حقيقة لا نقاش فيها ورفعته شعارا لي، كنت أتأثر لأي فقير ما بالك إن انتمى إلى
قريتي أو نفس انتمائي الطائفي، أجد أننا شعب غلفته البساطة وزاد الفقر من معاناته
كان قلبي يرفرف لرؤيتهم، طبعا لن أنكر أن قلبي كان يرفرف " بينغمش" دوما
لرؤية أي سوريّ سابقا قبل الثورة، كنت أبادل الجميع كما ذكرت المحبة في داخلي
معتقدة أن الكون كريم وجميل ويسعنا جميعا، ولكن كما أن للأهل حظوة اكبر، فأبناء
طائفتي نالوا القسط الأكبر من محبتي، كنت أحارب عبد اللطيف عبد الحميد وأفلامه،
التي كنت اعتبرها مبتذلة، مع أنها فازت بعدة جوائز، ناقشت كثير من المثقفين بمضمون
أفلامه وبأننا شعب اكبر من تلك الأفلام فهو يصورنا بطريقة ساخرة، قال لي احدهم
مرة، إن المخرج يرى الطائفة على ذلك الشكل
إن كنت متأثرة اكتبي ما ترينه أنت، ووقتها أسكتني، كان الجميع وحتى أبناء طائفتي
ذات أنفسهم يقفون حشودا للتصفيق عند انتهاء فيلم من أفلامه ولكني كنت أرى خيطا من
التشويه المتعمد لطهارة أبناء جلدتي .
لا يجب على أي إنسان أن يأخذ موقف مطلق أو رأي ثابت طوال الحياة، فمن كنت
امقته سابقاً، الآن لدي رغبة بإعادة رؤية أفلامه مرة أخرى، لأرى ما كنت عمياء عنه،
ربما.
كنت انقم بشكل خاص على المشائخ وعلى المسئولين لاحقا من طائفتي، المشائخ
الذين لا يرغبون بان ينقلوا أي معرفة أو أي علم إلا لأبنائهم ، ويرغبون بان يكون
الجميع تابع لهم، ولان نظرتهم استغلالية وأنانية بحتة، نرى اغلب من نشأ مؤخرا هو
علماني، بعيد عن أيّ من تعاليم الدين، أما من تمسك بدينه فيكون ولائه لولي نعمته
حافظ الأسد، ومن ثم ابنه بشار، بناء أيضا على تعاليم المشائخ ودعائهم في السر
والعلن، كنت أعول سابقا على هؤلاء
العلمانيين الذين سينتشلون طائفتنا من عفونة الطائفية بعد ظهور الثورة، ولكن
اكتشفت أنهم أكثر طائفية من المتدينين أنفسهم . أما المسؤولين الذين أوصلونا بجشعهم إلى ما نحن
عليه، شاركوا الناس في رزقها بحجة الموافقات الأمنية، لتقوم بأي مشروع في سوريا،
يجب أن يتم الموافقة امنيا عليه، والموافقة الأمنية تتم بمعظم إن لم اقل بكل الأحوال
عن طريق الضابط سين أو عين وبعد أن يشارك التاجر في مشروعه قبل بدءه ، ودون أن
يدفع قرش واحد، يصبح شريك في الأرباح، ويدفع حصته لاحقا بعد ان ينجح المشروع،
ببساطة هم كذلك يتركون القرية تغرق في فقرها ولكن قصورهم مشيدة في تنافر صارخ بين
قمة الفقر والغنى.
الفقير في طائفتي لا يطلب أكثر من لقمة العيش ويعتبر أي أمر ثان من حقه هو
كمالية، أن يفكر بمستقبل أولاده أو في رحلة ترفيهية اي حقوقه كأي مواطن هو كمالية
لا ضرورة لها، ومجرد حصولهم على وظيفة دولة باجر اقل من الطبيعي او تطوعهم في
الجيش، هو قمة الترف لكثير من العائلات، كان في صغري يتناهى إلى مسمعي فلان أي
بيشتغل بالمخابرات، أقول بسري واوو، الآخر بيشتغل بالجوية، كمان بسري واوو، اكتشفت
لاحقا أنهم عناصر متطوعين، كنت أتخيلهم ضباط في تلك الأفرع وأصحاب مناصب رفيعة لما
ينالوه من حظوة في محيطهم، ظهر لي أن مجرد شخص متطوع يحصل على اجر بنهاية الشهر هو
ترف .
لاحقا عرفت أن مجرد حصول الإنسان على وظيفة هو حقيقة تميز، لم يناله كل
السوريين بنسب فرص متساوية .
كنت اسمع جملا طائفية طوال عمري ولكن لم أكن أقم لها أي اعتبار، اعتبرتها
تراث أكثر منه تحريض على الكره، أو نبذ
الآخر، فنحن كنت اعتقد أننا على حق، وان ترفع لواء شخص كالإمام عليّ بن أبي طالب لا
يعني انك على حق بالمطلق أو انك تشبهه أو تتشبه به، لو فعلا كنا نحب الإمام عليّ
كما ندّعي، لكنا على الأقل اتبعناه بأفعاله ، لم أجده يوما إلا مساندا لزوجة
الرسول "عائشة" حتى في حربها ضده، حماها وقال هي زوجة الرسول، أين نحن
منه ؟
و كمثال بسيط عن التراث والبساطة التي تغلف محيطي، قصة طريفة حدثت مع صديقتي ، مرة هي وأصدقائها
ذهبوا في رحلة وكانوا عبارة عن خليط، كسوريا تماما، أكراد، مسيحيين، سنة وعلوية في
تلك الرحلة توقفوا بالقرب من بحيرة، وصعد قسم منهم إلى الجبل و بدأوا بتحضير
الطعام، الكل ذهب للمشاركة، إلا عمر، بقي يراقب البحيرة، وعند انتهائهم من تحضير
الطعام، بدأ الجميع بمناداته: " تعال يا عمر، الأكل خلص يا عمر، يلا يا عمر،
ليش ما عم ترد علينا يا عمر"، لتقترب سيدة عجوز وتقول له بكل عفوية " وا
عيني هنت قوم قوم ما سامعهين الهين ساعة بيسبو فيك ! " .
***
بدأت رحلتي في البحث عن ذاتي، من
كنت اعشقهم البارحة اصبحوا أداة قتل بيد النظام، من كنت متوهمة انهم يحملون أطيب
واطهر قلب أصبحوا يتمنون الأذى للآخر فقط من خوفهم من المجهول، هم خائفون من غد "ممكن"
أن يقتلهم يبيحون مقابله القتل اليوم .
تلك الازدواجية لديهم أشعرتني وكأن الأرض اهتزت من تحتي، كنت متوهمة أني أقف
على ارض صلبة وفجأة أجد رمال متحركة تسحبني للأسفل، لا ديني دين، ولا ناسي ناس ،
كنت مترقبة فقط أول فترة، مدهوشة وضائعة .
لم أكن أجرؤ على مخالفة من أحب ضمنيا ما بالك معارضة كل فكرة وكل فعل
يقومون به، وصل بي الأمر إلى أن أصبحت اخجل منهم أن اخجل من نفسي، دخلت منتدى
سعوديا " الإقلاع J" وكنت أجدهم
يتفننون برمي الشتائم على العلوية واشعر بقليل من الرضى، أتمنى أن آخذ كل ذنوب الأرض
وأتعذب فقط لأنني "علوية" ، ولأن معظم العلوية يقتلون إخوتهم في الوطن والإنسانية.
عندما شكلت نظرتي وموقفي الخاص من الثورة والواضح مع الجيش الحر قلبا
وقالبا فلا خلاص لنا إلا عن طريق القوة، شعرت بالراحة وبأن طريقي واضح، مؤلم جدا
ما اخترته ولكنه كان ما يمليه عليّ ضميري وانسانيتي، السوريون لم يختاروا العنف
كحل بل هو رد فعل.
كم شعرت بألم عند حديثي مع بطل من أبطال
الجيش الحر وأنا أقول له انتم ترفعون رأسنا، سوريا فخورة بكم ، قال لي بالحرف : "أختي
أنا لا احمل قضية كبرى أنا أدافع عن شارعي عن عرضي عن أهلي " .
عندما استطعت اخذ موقفي بوضوح شعرت براحة نفسية مؤقتة، فلا تستطيع الحياة
بسوريا ومخالطة المؤيدين و الحياديين إلا لتصاب بحالات رفع الضغط المتفاوتة الشدة
بشكل دائم، المؤيدين وأمر الله، أما الحيادي الذي يدّعي الإنسانية ولكن يرفع شعاره
" أنا ضد السلاح يجب أن تستمر الثورة سلمية" ، لا تستطيع أن ترد على هذه
العينة، التي لم تُشرد أو تُعتقل أو تُجرد من كل حقوقها كانسان . الحيادي يشعرني بالنفاق ، ببساطة هو إنسان لا يريد إظهار موقف واضح ليرى كفة من هي الراجحة
.
تحولي السياسي خلق بذور وبذور لتحول داخلي من نوع آخر
~ يتبع
يمكن ما كتار عم يكتبوا تعليقات ع المدونة.. بس تأكدي انو كتار عم يقرأوا..
ردحذفمؤلم الواقع، وبذات الوقت، المخاض اللي عم تقطع فيه سوريا ما في مفر منه.
رح نكون بانتظار المزيد..
تحياتي الك ياسمين :)
شكرا .. على قد ما بحب حدا يقراني متل اي انسان بيحب التاني يسمعو .. بس دافعي الاول للكتابة الوجع والغصة المخنوقة الي بحلقي وبظن صايرة مع كل سوري
ردحذفرائعة جداً ... ترفع لكِ القبة ... من حمصي ابن الخالدية ^_^
ردحذف@MOHANNAD_H770
شكرا، رأيك يسعدني وأهلا بابناء حمص والخالدية تحديدا ، نورت المدونة :)
حذف