الاثنين، 3 مارس 2014

هل من الممكن أن يتحول الجمال إلى مصدر للقرف؟


 

هل من الممكن أن يتحول الجمال إلى  مصدر للقرف؟

الجواب في سوريا بكل بساطة : نعم ، تستطيع أن ترى مظهرا من مظاهر الجمال  وسط مسرح من الألم.

معاناة لم أخرج منها مع أننا على أعتاب العام الثالث للثورة، كل يوم أفاجئ أن للمفاجئة مكان في حياتي رغم كل ما رأيناه ،  نحن نعيش حالة ألم مكثف لم ينتهي على كل الأصعدة .

اذكر منذ عدة سنوات قبل الثورة عندما قررت البلدية تحسين منطقة سكن خالتي بزرع الأشجار وتلوين الأرصفة، يومها فرحت ، كنت عمياء عن كل الدكتاتورية والسرقات الضخمة وأحاول الشعور بالتفاصيل الصغيرة التي تحيطنا، لتصبح تلك التفاصيل هي مصدر ألمي ، عندما أرى الشارع أمام منزلها نظيف، والشجر في نمو، والأبنية على حالها، بل وزجاج المنازل يلمع من النظافة ، اشعر بغصة وقهر وقرف مجتمعين ، لأنه على بعد شارعين من منزلها هناك منازل قد سويت بالأرض ، مئات ألاف من الناس على بعد شارعين قد هُجروا ، بينما تلك المنطقة بكامل نضارتها ، هي مسافة نصف دقيقة في السيارة بين منظرين متناقضين، بين منزل مهدم، أو بناء قد اسود من القذائف التي أصابته، وبين زجاج يلمع من النظافة، قائم ولم تصبه أية رصاصة، بين بيت منهوب وآخر مزين ومضاء.

عند كل زيارة لخالتي تستقبلني اللوحة التي تزين مدخل المنطقة ، وهي عبارة عن حذاء عسكري مرسوم بحجم كبير نسبيا وبداخله باقة من الأزهار، عندما سمعت بالأحذية التي تزين ساحة اللاذقية وبداخلها أزهار مزروعة، اعتبرتها ضربا من المبالغة، لأجدها مرسومة بمكان آخر ..

نعم استطاعوا تحويل دمشق إلى ثكنة عسكرية، كل مظهر يدل على  أن الحذاء العسكري فوق رأسك، اللباس الجديد الذي قرروا إلباسه لكل المحال في سوريا بالإجبار طبعا، هو العلم السوري الخاص بالنظام ، منظر مقرف ومقزز، يريدون إظهار أن كل الأماكن تؤيد هذا العلم وترفعه، مع أن وجوده يعبر عن الإمعان في القهر والطغيان لاناس مدنيين عُزل، هل تحتاج أي دولة في العالم أن تلصق علم دولتها بكل مكان لتخبر شعبها انه علم بلدها!

 لا ادري أي فكرة تراود أصحاب القرار، أو حتى المؤيدين عندما يرون أن كل المحال قد دُهنت بالعلم السوري بالإجبار، هل في هذه الحالة يشعرون أن دمشق أصبحت لهم ؟

حالة هيستيريا تتجسد أمامك، وتشعر بغصة تكاد تخنقك أينما نظرت، حتى الأمكنة الأثرية كالشارع المستقيم في دمشق القديمة قد لوثوها بتلك الألوان، بغض النظر عن التوجه، اذكر بكل وضوح عندما أعادوا ترميم السوق وإجبار المحال على تركيب أبواب خشبية لتناسب الجو العريق في المنطقة، ولينسفوه كما نسفوا كل مكان في سوريا حجرا حجر، ويخطر ببالي عندما أرى هذا المنظر وكأنهم يريدون تحويل حبيبتي دمشق إلى راقصة غجرية تضع ألوانا على وجهها كيفما اتفق .

 كل هذا الشرح واصفة فقط الحجر الذي تأثر، أما عن النفوس حدث ولا حرج ، عادي أن تسمع شخصا يقول : على التلفزيون السوري أن يأخذ صورة للدمار  وليخرج مذيع ويقول: هذه هي الحرية التي أرادوها.

ألم يملوا من تلك الجملة !!

عادي أن تجد سيدة أخرى تقول، يستحقون ما ألم بهم، المهم أن نبقى بأمان، عادي أن تجد احداهن تدّعي أنها معارضة وثائرة، وهي تعاتب اللجان الشعبية على تقصيرهم في حماية بعض المناطق.

أصبح عاديا ولا يجب أن تندهش عندما تجد مذيعة للأخبار في قناة سما الفضائية تبث فقرتها أو تقريرها من الجو، من طائرة حربية وقد لبست العتاد الكامل، ونحن نسمع يوميا أن عشرات البراميل المتفجرة تلقى على المناطق السكنية،  وعادي أيضا أن أتمنى أن أراها جثة مسحوقة أمام أهلها .

عادي أن أصبح إنسانة بدون ملامح، عادي أن تغزوني الأمراض النفسية والجسدية، وحالي كحال كل السوريين دون استثناء، اللهم إلا المؤيدين الذين لن يطول بهم الحال ليحتاجوا مصحا عقليا يحويهم، بل وسيحتاجون أيضا إلى مجموعة من الباحثين ليوصفوا ما الكيان الجديد الذي تحولوا إليه .

حالة من القرف والاشمئزاز تغلفني يوميا .

دمشق في 3/3/2014

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق