عندما استبدلت لا شعوريا كلمة ثورة في حديثي عن
الوضع في سوريا إلى كلمة حرب ، أدركت حينها أنني أعيش في حرب، كنت أحاول الالتفاف
على الكلمات، أحيانا أقولها بدون أن اعي معناها، وأحيان أخرى أتحدث عن ويلاتها،
ولكنني كنت دوما أتحدث وكأنني عنصر خارج تلك اللعبة، كنت كمّن ينظر إلى المشهد من
بعد آخر ، أن كل ما يحدث، ابتداءا من الحر أو البرد الذي اشعر به نتيجة انقطاع
التيار الكهربائي وفقدان البترول عن قصد أو بدون قصد ، هي تحصيل حاصل، أن الحياة
التي انعدمت حتى أصبح منزلنا هو ملجأنا الوحيد أيضا تحصيل حاصل، بل العكس أنا في
نعيم لأنني ما زلت موجودة في منزلي ، الناس التي تشتت في أرجاء الأرض ، قصص الموت،
الجوع والفقد ، قصص السرقات والاغتصاب والمجازر كلها كانت تحصيل حاصل، اكتشف فجأة أن
كل هذا العفن والوجع والجو الذي أعيشه له اسم واحد وهو "الحرب" .
لا يستطيع أحد الحديث عن الحرب أفضل ممن عاصرها، كنت سابقا عندما اقرأ
أي أدب عن أي حرب، عندما أشاهد أي فيلم ، اسرح بخيالي، وأقول: كيف استطاع هؤلاء
الناس احتمال كل تلك الويلات؟
اليوم أنا وسط سوريا نعاني
الحرب بكل قسوتها وجبروتها، بكل قذارتها ووجعها . ومع الوقت تستنزفنا حتى آخر إحساس
إنساني خُلق داخلنا .
أبشع ما فيها هو أن نصبح قساة من الداخل كما نحن الآن ، أن تسمع
بمصيبة وتمر عليها وكأنها أمر عادي، أن ترى حرقة قلب أم ولا تتأثر، أو تحاول أن
تدير وجهك ، أن تسمع بمعاناة جيرانك، وتحاول أن تضع موسيقى ليطغى على الصوت المحيط
، أن تشاهد قذائف تسقط بالعشرات وتتحدث عنهم وكأنها ألعاب نارية مرت من هنا . أن
تعتاد الذل وتجد لغة مشتركة مع مفتعليه ولو بحكم العادة ، كما يحدث يوميا عند
مروري من أمام الحواجز، هم حفظوني وأنا بدوري، كل دعوات الموت التي كنت اتلوها بداخلي
تجاههم بدأت تفتر وتختفي وأغض الطرف عنها، بدأت أجد لغة مع من كنت اعتبر مجرد وجودهم
على قيد الحياة جريمة بحق الإنسانية ، أن أشاهد منطقة دُمرت وبكيت طويلا عليها قد زُرعت، ليقوم الناس المقيمين
بالاستفادة من المكان وأكل منتوج تلك الأرض التي كانت تحوي منازلهم ، أصبح منظرا
جميلا بنظري، بدل أن يكون مدعاة قهر على الحال الذي وصلنا إليه !
كل المفاهيم بدأت تأخذ منحى مختلف في داخلي، ولا ادري إن كان هذا
المنحى صحيحا أم خاطئا، لكنه موجود، ولن اشعر بتأنيب الضمير لأنني أصبحت ما أنا
عليه .
أصبحنا كالدمى، وفي أقصى
تفاعلاتنا نطرح رد ساخر على كل ما يحدث، إن صدف وسمعنا خبرا ، لأننا لا شعوريا
بدأنا نهرب من سماع الأخبار، أصبحت أي الأخبار كمّن يذكرك انك تعيش معاناة مستمرة
وتريد أن تهرب عن كل ما يذكرك بها .
سوريو الداخل يختلفون عن
سوريو الشتات ، هنا قلة قليلة من تتابع الأخبار، هنا همنا اليومي يتمحور حول: القذائف تستهدف أي منطقة؟ هل الخبز سهل الحصول عليه أم الدور طويل في الفرن ؟
هل الوجبة أي وجبة العجين جيدة وسنأكل خبزا جيدا أم سنضطر إلى أكل شيء يشبه الحجر؟
هل المواصلات مستمرة بعد أذان المغرب أم لا؟ هل هذا الخط آمن أم هو جبهة مفتوحة
الآن ؟ هل هناك ازدحام وسأضطر أن اقضي نصف ساعة أو أكثر وأنا أحاول العثور على
سرفيس ومثلهم القرفصاء عندما أجده أم سأجد مقعدا استطيع فيه احتمال الطريق ومشاكله
وحواجزه ؟!
الخضار اليوم ارتفعت للضعف، فالبندورة بعد ان كان الكيلو بخمسين اكتشف
انها اليوم بـ 100، الخسة اشتراها السائق البارحة بـ200، أصبح أكل الدجاج أو اللحومات
على غلائهم ملجأ لان الخضار أصبحت ترفا هي الأخرى إن وجدت، كيلو البامية بـ400، إن
شالله عمرينها من أكلة . الحليب ومشتقاته تحتاج إلى خبير ليدرك المواد الجيدة من
السيئة وتوفرهم وتوفر ثمنهم وكان الله بعون من لديه أطفال .
هل في حقيبتي ما يكفي لشراء ما أريده ؟ أم ان الشهر القادم كفيل بإحضار
ما نقص هذا الشهر!!
ليأتي الشهر القادم وتهل بركة
الفواتير معه، هل تعلمون أن الفواتير أي الهاتف والماء والكهرباء بدأت تأخذ قيم
تصاعدية حتى أصبحت هي الأخرى مثل الخضار وبقية المواد لها قفزات نوعية، أحيانا
تغلب في صعودها صعود الدولار مقابل الليرة، ودوما دوما المحللون يقولون لك أن
الليرة بخير وان البنك المركزي هذا الأسبوع تحديدا سيتدخل.
ملخص حديثي للقول أن معاناتنا نحن في الداخل مختلفة ، ونحن من الداخل
اختلفنا .
كل يوم إضافي في هذه الحرب تزيد ندبة إلى أروحنا صعب أن تُمحى .
وَمَا الحَـرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُـمُ ****
وَمَا هُـوَ عَنْهَا بِالحَـدِيثِ المُرَجَّـمِ
مَتَـى تَبْعَـثُوهَا تَبْعَـثُوهَا ذَمِيْمَـةً **** وَتَضْـرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُـوهَا فَتَضْـرَمِ
فَتَعْـرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَـا **** وَتَلْقَـحْ كِشَـافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِـمِ
فَتُنْتِـجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُـمْ ****كَأَحْمَـرِ عَادٍ
ثُمَّ تُرْضِـعْ فَتَفْطِـمِ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق